ابن رشد

32

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

بها إلى الأصول : إلى " الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها " ، إلى " عقيدة السلف " . وإذا كان ابن رشد لم يتصد بالنقد لمحاولة الرازي دمج الكلام في الفلسفة والفلسفة في الكلام ، لكونه لم يكن على علم بها ، إذ كانا يعملان في وقت واحد وعلى مسافة طويلة « 25 » ، فإنه من الممكن القول إنه انتقدها سلفا وأبطلها ، وذلك بنقده لمذهب ابن سينا واعتراضه الشديد على المفاهيم ذاتها التي شيد عليها الرازي طريقته الجديدة ، طريقة المتأخرين . إن نقد ابن رشد لابن سينا - الذي ينسحب أكثر على الرازي - سنتعرف عليه في كتابه " تهافت التهافت " ، أما الآن فسيكون علينا أن نعرض لموقف أسلاف ابن رشد ، في بلده الأندلس ، من علم الكلام جملة ومن كلام الأشعرية خاصة . إنه مسار آخر . . . ثانيا : في المغرب والأندلس 1 - في البدء كان " مسح الطاولة " ذلك كان تطور علم الكلام في المشرق ، أما في الأندلس والمغرب - وهما اللذان انفصلا عن الخلافة العباسية منذ قيامها ولم تستطع الخلافة الفاطمية السيطرة عليهما - فقد اتخذ التطور الفكري فيهما مسارا آخر ، وذلك بفعل جملة عوامل لعل أهمها ثلاثة : - أولها غياب " الموروث القديم " فيهما ، فلم تشهد الأندلس ( ولا المغرب الذي ظلت مرتبطة بتاريخه منذ الفتح حتى سقوط غرناطة ) أي انبعاث حقيقي لبنية المعتقدات القديمة السابقة على الإسلام كما حدث في سورية والعراق ، وإلى حد ما في مصر . بل لقد قام الفتح الإسلامي فيهما بعملية " مسح الطاولة " كما فعل في شمال إفريقية كلها . وإذا كان كثير من السكان الأصليين في الأندلس قد حافظوا على دينهم المسيحي أو اليهودي ، فإنهم لم ينقلوا من ثقافتهم القديمة إلى الثقافة العربية الإسلامية أي شيء يستحق الذكر . وهذا راجع إلى أن الثقافة في الأندلس لم

--> ( 25 ) يذكر رينان أن ليون الإفريقي روى أن فخر الدين الرازي سمع في القاهرة عن ابن رشد ، وكان قد اشتهر هناك ، فاستأجر سفينة في الإسكندرية ليزوره في الأندلس ، ولكنه أنه عدل عن ذلك لما سمع بنكبته . غير أن رينان يشكك في هذه الرواية لتناقض الأخبار التي يرويها ليون الإفريقي في كتابه . انظر : ارنيسب رينان . ابن رشد والرشدية . ترجمة عادل زعيتر . دار إحياء الكتب العربية . القاهرة . 1957 . ص 56 .